القرطبي

55

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الخامسة - قوله تعالى : ( واجتنبوا قول الزور ) والزور : الباطل والكذب . وسمى زورا لأنه أميل عن الحق ، ومنه " تزاور عن كهفهم " ( 1 ) ، [ الكهف : 17 ] ، ومدينة زوراء ، أي مائلة . وكل ما عدا الحق فهو كذب وباطل وزور . وفي الخبر أنه عليه السلام قام خطيبا فقال : ( عدلت شهادة الزور الشرك بالله ) قالها مرتين أو ثلاثا . يعنى أنها قد جمعت مع عبادة الوثن في النهى عنها . السادسة - هذه الآية تضمنت الوعيد على الشهادة بالزور ، وينبغي للحاكم إذا عثر على الشاهد بالزور أن يعززه وينادى عليه ليعرف لئلا يغتر بشهادته أحد . ويختلف الحكم في شهادته إذا تاب ، فإن كان من أهل العدالة المشهور بها المبرز فيها لم تقبل ، لأنه لا سبيل إلى علم حاله في التوبة ، إذ لا يستطيع أن يفعل من القربات أكثر مما هو عليه . وإن كان دون ذلك فشمر في العبادة وزادت حاله في التقى قبلت شهادته . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن أكبر الكبائر الاشراك بالله وعقوق الوالدين وشهادة الزور وقول الزور ) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت . السابعة - ( حنفاء لله ) معناه مستقيمين أو مسلمين مائلين إلى الحق . ولفظة " حنفاء " من الأضداد تقع على الاستقامة وتقع على الميل . و " حنفاء " نصب على الحال . وقيل : " حنفاء " حجاجا ، وهذا تخصيص لا حجة معه . الثامنة - قوله تعالى : ( ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء ) أي هو يوم القيامة بمنزلة من لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عن نفسه ضرا ولا عذابا ، فهو بمنزلة من خر من السماء ، فهو لا يقدر أن يدفع عن نفسه . ومعنى ، ( فتخطفه الطير ) أي تقطعه بمخالبها . وقيل : هذا عند خروج روحه وصعود الملائكة بها إلى سماء الدنيا ، فلا يفتح لها فيرمى بها إلى الأرض ، كما في حديث البراء ، وقد ذكرناه في التذكرة . والسحيق : البعيد ، ومنه قوله تعالى : " فسحقا لأصحاب السعير " ( 2 ) [ الملك : 11 ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( فسحقا فسحقا ) .

--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 368 . ( 2 ) راجع ج 18 ص 212 .